محمد بن جرير الطبري

307

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ولا بناء الا ذهب عليها في عرض الرمل ، وذلك حين نزل الناس ، وقبل ان يحطوا ، فما علمت جمعا هجم عليهم من الغم ما هجم علينا وأوصى بعضنا إلى بعض ، ونادى منادى العلاء : اجتمعوا ، فاجتمعنا اليه ، فقال : ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم ؟ فقال الناس : وكيف نلام ونحن ان بلغنا غدا لم تحم شمسه حتى نصير حديثا ! فقال : أيها الناس ، لا تراعوا ، ا لستم مسلمين ! ا لستم في سبيل الله ! ا لستم أنصار الله ! قالوا : بلى ، قال : فأبشروا ، فوالله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم ونادى المنادى بصلاة الصبح حين طلع الفجر فصلى بنا ، ومنا المتيمم ، ومنا من لم يزل على طهوره ، فلما قضى صلاته جثا لركبتيه وجثا الناس ، فنصب في الدعاء ونصبوا معه ، فلمع لهم سراب الشمس ، فالتفت إلى الصف ، فقال : رائد ينظر ما هذا ؟ ففعل ثم رجع ، فقال : سراب ، فاقبل على الدعاء ، ثم لمع لهم آخر فكذلك ، ثم لمع لهم آخر ، فقال : ماء ، فقام وقام الناس ، فمشينا اليه حتى نزلنا عليه ، فشربنا واغتسلنا ، فما تعالى النهار حتى أقبلت الإبل تكرد من كل وجه ، فأناخت إلينا ، فقام كل رجل إلى ظهره ، فأخذه ، فما فقدنا سلكا فارويناها واسقيناها العلل بعد النهل ، وتروينا ثم تروحنا - وكان أبو هريرة رفيقي - فلما غبنا عن ذلك المكان ، قال لي : كيف علمك بموضع ذلك الماء ؟ فقلت : انا من اهدى العرب بهذه البلاد قال : فكن معي حتى تقيمنى عليه ، فكررت به ، فأتيت به على ذلك المكان بعينه ، فإذا هو لا غدير به ، ولا اثر للماء ، فقلت له : والله لولا انى لا أرى الغدير لأخبرتك ان هذا هو المكان ، وما رايت بهذا المكان ماء ناقعا قبل اليوم ، وإذا اداوه مملوءة ، فقال : يا أبا سهم ، هذا والله المكان ،